أحمد مصطفى المراغي
128
تفسير المراغي
من أنفسهم ، وكأن اللّه ألهمهم ذلك ، وعلم موسى أن من الخير له اختيار إلقائهم أولا ، لأنهم إذا أبرزوا ما معهم من مكايد السحر واستنفذوا أقصى مجهودهم ، أظهر اللّه سلطانه ، وقذف بالحق على الباطل فدمغه ، وسلّط المعجزة على السحر فمحقته ، وكانت آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين ، ومن ثم حكى عنه . ( قالَ بَلْ أَلْقُوا ) أي بل ألقوا أنتم أوّلا لنرى ما تصنعون من السحر ، ويظهر للناس حقيقة أمركم ، وحين ألقوا : « قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ » . ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) أي فألقوا ما معهم من الحبال والعصىّ فخيّل إلى موسى أنها تمشى ، وجاء في آية أخرى « سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » . قيل إنهم حشوها بالزئبق الذي من طبعه أن يتأثر سريعا بحرارة الشمس ، فما أسرع ما تحركت تلك الحبال والعصى حين سقطت عليها أشعة الشمس ، فامتلأ الوادي بحيات يركب بعضها بعضا . وخلاصة ذلك - إنهم حشوها بزئبق أو بمادة أخرى إذا وقعت عليها الشمس اضطربت وتحركت واتصل بعضها ببعض ، فمن رآها ظن أنها تمشى وتسعى . ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ) أي فأوجس موسى بشيء من الخوف حين فوجئ بذلك على مقتضى الطبيعة البشرية حين ترى الأمر المهول المخيف . ثم أبان سبحانه أنه ربط على قلبه فقال : ( قُلْنا لا تَخَفْ ) أي قلنا : له هدّئ روعك ، واطمئن بالا . ثم علل ذلك بقوله : ( إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ) أي إنك ستنتصر عليهم وستكون لك الغلبة ، فالعاقبة للمتقين . ( وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ) أي وألق عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروا بها أعين الناس حتى خيل إليك أنها تسعى .